محمد بن جرير الطبري

385

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فإن قال : فإن هو فرَّط في ذلك فلم يوص لهم ، أيكون مضيِّعًا فرضًا يَحْرَج بتضييعه ؟ قيل : نعم . فإن قال : وما الدلالة على ذلك ؟ قيل : قول الله تعالى ذكره : " كُتبَ عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إن تَرَك خيرًا الوصيَّةُ للوالدين والأقربين " ، فأعلم أنه قد كتبه علينا وفرَضه ، كما قال : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) [ سورة البقرة : 183 ] ، ولا خلاف بين الجميع أن تارك الصيام وهو عليه قادر ، مضيع بتركه فرضًا لله عليه . فكذلك هو بترك الوصية لوالديه وأقربيه ولهُ ما يوصي لهم فيه ، مُضِيعٌ فَرْضَ الله عز وجل . فإن قال : فإنك قد علمت أن جماعة من أهل العلم قالوا : الوصيةُ للوالدين والأقربين منسوخةٌ بآية الميراث ؟ قيل له : وخالفهم جماعةٌ غيرهم فقالوا : هي محكمةٌ غيرُ منسوخة . وإذا كان في نسخ ذلك تنازع بين أهل العلم ، لم يكن لنا القضاءُ عليه بأنه منسوخٌ إلا بحجة يجب التسليم لها ، إذ كان غير مستحيل اجتماعُ حكمُ هذه الآية وحكمُ آية المواريث في حال واحدةٍ على صحة ، بغير مدافعةِ حكم إحداهما حُكمَ الأخرى - وكان الناسخ والمنسوخ هما المعنيان اللذان لا يجوز اجتماع حكمهما على صحة في حالة واحدة ، لنفي أحدهما صَاحبه . وبما قلنا في ذلك قال جماعة من المتقدمين والمتأخرين . * ذكر من قال ذلك : 2628 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك أنه كان يقول : من مات ولم يُوص لذوي قرابته . فقد ختم عمله بمعصية . 2629 - حدثني سَلم بن جنادة . ( 1 ) قال ، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش ،

--> ( 1 ) في المطبوعة : " سالم بن جنادة " . وهو خطأ . وقد مضى مرارًا ، وانظر ترجمته في رقم : 48 .